السبت، 28 مايو، 2011

جاك دريدا ونظرية التفكيكية ترجمة : احمد حمدى حسن

جاك دريدا ونظرية التفكيكية
ترجمة : احمد حمدى حسن
تعتبر " التفكيكية " المغزى العميق لحركة ما بعد البنيوية في النقد الأدبي , فهي تثير الجدل الحي المعاصر حولها ؛ ربما لانه لا توجد نظرية نقدية تمتلك القدرة على تعظيم السحر الفتان للإبداع اكثر من نظرية التفكيكية , على الأقل خلال الثلاثين عاما الأخيرة . ويمكننا أن نضع في جانب مجموعة من النقاد الحقيقيين ( أمثال هلز ميلر J.Hillis Millier , و بول دى مان Paul de Man , و جيفرى هارتمان Geoffrey Hartman , و هارود بلوم Harold Bloom ) باعتبارهم رواد للتفكيكية على مستوى النظرية والممارسة - رغم تنوع أساليبهم وصيغهم .
لنرى في الجانب الآخر مجموعة متنامية العدد من النقاد المدرسيين , الذين يعرفوا كامتداد أساسي للتقليد النقدي المدرسي المفتقد لتواصله مع التفكيكية , فهم يرون التفكيكية محض سخافة او شيطانية او مملة Monstrous ( أي غير منتظمة النسق ) , و بالرغم من ذلك لا يوجد مركز فكرى في أوربا أو أمريكا خالي من جدل حي حول قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد .

هل حقا التفكيكية (غير منتظمة النسق ) مملة ؟ لو كان هذا غير حقيقي , فلابد من طرح السؤال التالي كيف ؟ ولماذا ؟ و لو كان هذا حقيقي , فلماذا كل هذا القدر من الاحتفاء بها ؟ اننا لا نستطيع الإجابة على هذه الأسئلة إلا بعد عملية فهم و إعادة تقييم المفاهيم المرجعية للتفكيكية , والبداية الصحيحية لعملية الفهم هذه تكون من كتاب دريدا of Grammatology , ذلك الكتاب المقدس للتفكيكية مع الأعمال الأخرى الخصيبة لجاك دريدا والفلاسفة الفرنسيين و النقاد.
وبموجب عملية اكتشاف التفكيكية من خلال دريدا ونظريته , اعتقد أننا سنكون بصدد عقبتين سائدتان في عملية الاكتشاف هذه ( من خلال دريدا ) . العقبة الأولى تكون من خلال الاصطلاحات والمفاهيم الجديدة عند دريدا , أو أسلوبه المضلل إلى حد ما , أما العقبة الثانية فهى تتمثل في كثرة الآراء الناقدة له و التي تتجاهل إلقاء الضوء على بعض المفاهيم الصعبة عند دريدا فتكون أبحاثهم محض تأويل غير ذي صلة مع الشكل الدريدى للتفكيكية . وأنا هنا أريد توثيق بعض التعليقات الناقدة للتفكيكية قبل وصف و إعادة تقييم مفاهيم التفكيكية .

يتحدث أم . هـ . ابرام M.H.Abrams عن الجزء المميز في نظرية دريدا قائلا : " هو – أي دريدا – ينتقل في أبحاثه من اللغة إلى الأدب أو إلى الكتابة أو إلى النص المطبوع ذاته ؛ من اجل عملية فصل النص عن مؤلفه في حدود طراز خارجي غير متحكم فيه من قبل المؤلف(1 ) " . ليس هذا مجرد تبسيط لدريدا وموضعه له فحسب ولكنه أيضا ممارسه للتفكيك على نظرية دريدا . فابرام ومجموعة من البنيوييين الفرنسيين يمارسوا التفكيكية ذاتها - باعتبارات تدميرية - على دريدا من خلال محاولة إعادة تعريف بعض المصطلحات أو الكلمات المفاتيح في النقد التفكيكى , وإكسابها معاني مختلفة بطريقة تفكيكية , فما دامت المفاهيم النصية يتم التحكم فيها خارجيا فان ابرام يتحكم في مفاهيم أساسية مثل : كتابة "Writing” أو نص " Text” بطريقة تجعلها غير متصلة مع التأويل الدريدى لها . فتفكيك ابرام لدريدا ليس افضل من نظرية دريدا التفكيكية بل أن هذا التفكيك ( في صالح التفكيكية ) ؛ لانه يخبرنا لماذا تكون التفكيكية افضل من التفكيكية ؟! أي إنها محاربة شيء باستخدام نفس الشيء.

و ينتقد نيوتن جارفر Newton Garver دريدا باعتباره واحد من فلاسفة اللغة ؛ اللذين يؤكدون على اسبقيه الاعتبارات السجعية ( الشكل الموسيقى للفظ ) Rhetoric على المنطق فهو يقول أن : " دريدا يسقط داخل الحركة التي تتعلق بدور اللفظ في الخطاب الفعال , فيرى اللفظ كجوهر للغة والمعنى والتي تتعلق بالمنطق كاشتقاق من الاعتبارات الموسيقية السجعية للفظ " (2 )
أن الحجة التي يطرحها جارفر , هى أن التفكيكية سيناريو للموسيقى اللفظية وهذا يجد تدعيما من هيلز ميلر J.Hillis Miller أحد النقاد التفكيكين الرواد الذي يقول : " يمكن الكشف عن التفكيكية من خلال تفعليها في أشكال ومفاهيم وسرديات التراث فتكون التفكيكية بدورها سيناريو للموسيقى اللفظية "( 3)
أما ميورى كريجر Murray Krieger فهو يعتقد أن دريدا " ناقد بنيوي ....ولكنه يفعل البنية خارجيا Outdoes وربما لا يفعلها Undoes جيدا " " والعلاقة بين البنيوية و التفكيكية تكون قريبه الشكل من الهجوم القديم على الشعر كصناعة للأساطير من قبل أفلاطون " (4) ( رغم الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في فكر أفلاطون )
ويرى فريدريك جيمسون Fredric Jameson أن أفكار دريدا تنكر ذاتها باعتبارها خدعة تحاول العبور إلى ما وراء الميتافيزيقا , أو الهروب من النموذج القديم لها إلى داخل بعض الأشياء الجديدة والغامضة . ( 5 )

هذه التعليقات تعطينا فكرا مفيدا في عملية اكتشاف التفكيكية , فقد تكون موجها خارجيا لنا ومساعدا أوليا لفهم نظرية دريدا , ويمكن لنا أن نستخرج منها الآتي : ينتمي دريدا إلى مجموعة من فلاسفة اللغة ؛ الذين يعتقدون أن المنطق مشتق من الاعتبارات السجعية الموسيقية للفظ ؛ أي انه يعتقد في أسبقية تلك الاعتبارات على المنطق وهذه الاعتبارات الموسيقية هي التي تكون بمثابة قوة غلق و إحكام لهذه الكثرة من الاحتمالات ( عن المعنى ) التي تمزق المحتوى الفكري للرواية .
يعيد دريدا السؤال القديم الذي سأله أفلاطون عن الأسطورة و هو نفس السؤال الذي يسأله دريدا عن التمثلات reprresentation
ينتقل دريدا من الاهتمام بالمنطوق ( الاهتمام القديم التقليدي ) إلى الاهتمام بالمكتوب وهذا بطبيعته يغلق حدود النص ويضعه في إطار من التمثلات المفتقدة .

هذا ما بمكننا استخراجه من التعليقات الناقدة لدريدا ولكننا يجب أن نعلم أن هذه الصورة المتكونة عن دريدا عند النقاد ماخوذه من مصادر ثانوية أي مجموعة من المجهودات لفهم دريدا و التفكيكية وليس كتب دريدا نفسها ( باستثناء استشهادات صغيرة ) كما تنبئنا بذلك الإحالات المرجعية لهؤلاء النقاد , لذا فأننا نجد بعض النقاد يخطئون في فهم دريدا أو بافتراض عدم خطئهم , هم يريدون تأويل دريدا بشكل فاقد للصلة مع أفكار دريدا نفسه . نقول هذا بالرغم من أن نقاد أمثال بلوم , و ملير , ودى مان , وهارت مان هم نقاد تفكيكين , فهم كدريدا ذاته , لكن لكل منهم مدرسة مستقلة تتصادم مع دريدا في بعض الأحيان , فهم ليسوا دريدين بالمعنى الحقيقي ولكنهم تفكيكيون عموما . ولفهم التفكيكية لابد أولا من فهم دريدا الأستاذ الأول العظيم للتفكيكية كخطوة أولى , و أول خطوة لفهم دريدا هي كشف الأغطية عن المفاهيم الدريدية . و النظرية التفكيكية تحتاج للعديد من التحليلات الدورية الطازجة قبل الولوج الى أي نقد لها فلابد للذي ينتقد التفكيكية أن يعرفها بدقة , وهى نظرية لا تعرف ببساطة شانها في ذلك شان أي نظرية معقدة وغامضة . و في الوقت الراهن يستطيع المرء توضيح أساس المصطلح , بان دريدا يهدم النقد التقليدي , و يفتنا بسحر الفعل التفكيكى , وهذا سيكون موضوع أول جزء من ذلك التحليل , إلا أنني وبعد أن اصف واحلل المصطلحات الدريدية أستطيع أن أجيب مباشرة على ذلك السؤال كيف تستطيع التفكيكية إعادة تشكيل النقد الأدبي ؟ وفى المرحلة الأخيرة من تحليلي سأوضح لماذا تدعى التفكيكية سخافة , وهى ليست سخافة و إنما تعد التفكيكية مضمون روحي .


المكتوب Writing و المنطوق Speech هم أهم كلمتان تفيدنا في فهم التفكيكية؛ فهذه الكلمات لها مغزى خاص في المفاهيم التقليدية للغة , حيث يكون المنطوق سابقا قبليا على المكتوب أي أن المكتوب يحمل فوق المنطوق . فالكلمة المنطوقة ( Phone ) ليس لها وجودا خارجيا أو تأثيرا ذاتيا و إنما هي صورة سمعية ( The Acoustic Image ) يتم تمثلها في عملية استحضار المفهوم . فالكلمة المنطوقة أو الصورة السمعية قد ماتت بمعنى إنها كداله ( علامة أو دالة signifier ) تكون مخمده داخل نفسها ( ليس لها دور ) في عملية إعطاء الدلالة للمدلول( signified ). فالمدلول أهم من كل أو أي شيء , ويمكن فصله والحصول عليه من خلال الصورة السمعية فقط,الصورة السمعية تكون هنا الدال . هذه بعض الأشياء التي تشبه الثالوث في العلاقة بين العقل الإنساني , والدال ( الصورة السمعية ), والمدلول ( المفهوم ) .

و الآن , يصح لنا أن نسأل عن موقع المكتوب أو الكلمة المكتوبة في هذا الفهم التقليدي للغة ؟ وبناءا على المفهوم التقليدي للغة ترد الكلمة المكتوبة إلى كونها تمثلات مطبوعة أو مرسومة ( Graphic Representation ) للكلمة المنطوقة بمعنى أن الكلمة المكتوبة دال على الكلمة المنطوقة التي هي دال أصلى على المدلول بحيث تصبح الكلمة المكتوبة دال ثانوي . أي أن الكلمة المكتوبة لا تستطيع أن تفعل اكثر من إنها تساعد في تكوين التمثل السمعي للكلمة المنطوقة بينما الكلمة المنطوقة هي الدال الأصلي , الذي يقيم علاقة الدلالة مع المدلول . ويمكن توضيح هذا بمثال لو استدعيت مفهوم مثل rose أولا ستسمع هذا الصوت roz هذا الصوت سيكون في عقلك صورة سمعية تكون بمثابة دال على الزهرة , لكن إذا وجدت أمامي هذه الكلمة مكتوبة في بناء مطبوع rose فالخيال المطبوع (Graphic Image ) لا يستطيع أن يعطيني تمثلا عن المعنى فهو مجرد بناء مرئي يتحول لصوت غير مرئي يتحول لصورة سمعية أستطيع إيجاد مدلولها , يمكننا القول بان هذه الحجة التقليدية تقول أن العلامة المطبوعة تأتى بعد العلامة المسموعة بالضبط كالميتافيزيقا تأتى بعد اللاهوت .(6 )
ويعلق دريدا على الأصول الميتافيزيقية لمفهوم المنطوق قائلا : " الفهم الإلهي يكون له اسم آخر, هو اللوجوس Logosكحضور ذاتي للإله . فاللوجوس والحضور الذاتي للإله أمور لا متناهية . بل أن اللوجوس ناتج بطريقة اوتوماتيكية عن تأثير الحضور الذاتي , ويكون ذلك الحضور من خلال الصوت فقط على شكل أمر أو علامة دالة بحيث تكون تلك العلامة موضوع ينتقل من ذات الى أخرى , موضوع محدد لا يستطيع العبور خارج ذاته, أن الدال أو العلامة تنتقل كشعاع أو تأثير محكم الدلالة في كل وقت بطريقة متساوية , لكنه في الخبرة الصوتية فان هذه الخبرة تعيش وتتجدد بذاتها كمحرضة على أشكال مختلفة من الكتابات ولكن عندما تتحدث فانك تستحضر الشيء أو الإحساس أو الخاص فيكون تأويل العلامة خاضعا للحضور الذاتي " (7)
ويسمى دريدا المفهوم التقليدي للنطق مركزية اللوجوس او التمركز حول العقل logocentric وهذا مصطلح دريدى هام ويعنى ذلك التشكيل الذي وضع فيه اللوجوس ككلمة منطوقة في المركز سواء في الميتافيزيقا أو اللاهوت. (8) ولكي نكون اكثر تطبيقية فإننا نقول أن مفهوم النطق والكتابة ربما يتم التحكم فيه عن طريق الميتافيزيقا فتكون مركزية اللوجوس هي مركزية الصوت logocentrism is phonocentrism وذلك نتيجة الاعتقاد القديم بان الصوت يقع في قمة الواقع المتعالي الترانسنتدتالى . (9) ولكننا نجد في نظرية دريدا أن logocentrism و phonocentrism مفهومان مختلفان بالرغم من انهما يمثلان ظاهرة واحده ألا وهى الأصول الميتافيزيقية لمفهوم النطق وعملية الفهم كلها . وهم من جانب آخر يؤكدا على الصوت لان هذه المفاهيم نشأت أصلا من تصور أن هناك علاقة بين العقل الإنساني ( المسئول عن الفهم )والواقع المتعالي الترانسنتدتالى , ويكون الصوت هو الوسيط في هذه العلاقة . ربما تتشابه هذه الحجة مع المفهوم الهندي عن قوة المانتراس Mantras وهو عبارة عن صوت أو سلسلة من الأصوات كلما كانت أقوى كلما كان حضور المتعالي أقوى , فهم يعتقدوا أن الصوت فعل له قوته وهو بذلك– أي الصوت - وسيط بين العقل الإنساني والقوة المتعالية . وأنا هنا لن أحاجى بان التقليد الغربي الذي يضع الصوت في الصدارة هو نفس المفهوم الهندي عن المانتراس ولكنني سأكتفي بان أقول انه ثمة تشابه شديد .

ثمة مفهوم آخر هام في تقديم التفكيكية هو Graphocentrism مركزية الرسم او الطباعة , وهذا المصطلح بحاجة إلى توضيح قبل الدخول لصلب نظرية دريدا الكتابة تكون طبع أو رسم graphic , و في الشعور العام فان طباعة الرسالة أو الحروف الهجائية أو الرسالة ككل ,هي قدرة على تدوين الصوت – الصوت phone بالمعنى العام هو الوحدة الصغيرة للنطق وهو مميز عن الطبع أو الرسم في أي لغة أخرى – الطبع أو الرسم تبعا للمفهوم التقليدي يقدم صورة نقيه أو إشارة نقيه على الصوت , وهذا يعنى أن وحده الكتابة لا تمتلك أي خصائص ثورية أخرى , إلا كونها تمثل شكل بسيط للخيال اللغوي أو الصورة اللغوية , لكن ال graphocentrism تستطيع نقل المعنى نقله هامة من النطق إلى الكتابة وليس كعملية تحول طبيعي في المفهوم التقليدي للغة والتي تفيدنا بقبلية النطق أو الكلمة المنطوقة على الكتابة , ويختلف ذلك بالطبع في حالة مركزية الرسم , هنا يتوجب علينا ذكر ذلك النقد الذي يعتقد أن تفكيكية دريدا تنقلنا من مركزية اللوجوس إلى مركزية الرسم (10)
وهى ملحوظة غير بريئة , ولابد من التعرض لهذه الملحوظة قبل البدء في الخطوة الثانية من عرضي , واعتقد أن افضل طريقة لتوضيح موقف التفكيكية من المنطوق والمكتوب هي ذلك التمثيل فيمكننا اعتبار الكتابة جسم و النطق روح والمفهوم واقع متعالى , وهنا نجد أن النطق روح ( تأكيد على النطق يتساوى مع التأكيد على مركزية الصوت ومركزية اللوجوس ) والكتابة جسد وهو تأكيد على مركزية الرسم أو الطبع
أذن فالتفكيكية ليست مجرد نوع من الاعتقاد بمركزية الرسم كما يخبرنا بذلك المعنى البسيط في النقد السابق باعتبار أن التفكيكية مطعمة بقبلية الروح وبقوة إلهامها فالتفكيكية ليست سقوطا في الجسدية والحياة الدنيوية وليست عدم وضوح للإله كروح , بل أن فصل فاعلية الصوت يمكن أن يؤول بالتفكيكية ككل إلى عدمية , لكن التفكيكية برغم اعتقادها في مركزية الرسم فان مركزية الرسم ليس كل التفكيكية وليس كل ما قاله دريدا , وسوف أعود لتلك المشكلة لكن بعد اختبار اصطلاحات دريدا ووظيفتها كأدوات للتفكيكية .
وبعد أن عرض دريدا الأصول الميتافيزيقية واللاهوتية لمفهوم النطق والكتابة بدأ يختبر علم اللسانيات ووصفه للغة من خلال البناء , وفى الحقيقة نجد أن دريدا قد تفاعل مع نظرية دى سوسير Saussure’s في علم اللسانيات والتي تتأسس على مفهوم الدال والمدلول و على الأسس البنائية الأخرى , وهو ما رآه دريدا مناسبا في إعداد دراسات في اللغة والفعل ولكنه غير حاسم في دراسة سيناريوهات النقد العلمي . ( يرى هنا دريدا عدم علمية النقد اللساني البنيوي )
لقد وجد في نظرية سوسير طبعة أخرى للفهم التقليدي للكتابة والنطق , وفى إطار عرضه للعلاقة الداخلية بين الميتافيزيقا واللسانيات , لاحظ دريدا " أن تصور الدال عند سوسير يطبق دائما داخل ذاته للتميز بين الدال والمدلول بطريقة بسيطة , كتمييز بين وجهين لنفس الشيء , ويعاد تأسيس هذه العلاقة داخل إطار التراث الذي يحتفي بمركزية اللوجوس و مركزية اللوجوس ليس فقط مركزية الصوت , حيث الأفضلية العليا للصوت وكيانه بل أن مركزية اللوجوس تتخطى ذلك لتعطى للمعنى وجود وهوية ثابتة ". فضلا عن أن النظام اللغوي اللساني يتوهم العلمية في ظل حماس عارم للبنائية , ولهذه النماذج من النقد وهو نفسه الحماس لمركزية اللوجوس ومركزية الصوت الذي يكونا في النهاية محض إنتاج ميتافيزيقيا .
من الواضح أن دريدا يضع الميتافيزيقيين و اللسانين داخل مجموعة واحدة , وهى المجموعة التي تعنى أن الميتافيزيقا قادرة على تفعيل اللسانيات من اجل دراسة الظاهرة اللغوية , حيث تقدم اللسانيات هذا المصطلح الميتافيزيقي الثنائية القطبية Similar Bipolarity كالثنائية بين الواقعي والمثالي , الجسد والروح , الخير والشر. وتحاجج اللسانيات على هذا بأن الصورة الصوتية تستحضر المفهوم ( الدال يستحضر المدلول , تأكيد على قبلية الكلمة المنطوقة على الكتابة ) يمكننا القول عموما أن اللسانيات البنائية في هذا الوقت أخذت كطبعة محورة من التراث المهمل للكتابة حيث المكتوب مرئي, ولا واقعي , و بعدى .
فمفهوم دى سوسير عن الإشارة اللغوية , كالمفهوم التقليدي للغة - هنا تكون الميتافيزيقا - ظروف صوتية قوية , أما مفهوم الكتابة , فان المفهوم التقليدي للغة واللسانيات الحديثة تحمله وتضعه مع بعض الأشياء الثانوية . فهي تعتبر أن الوجود الوحيد للتمثلات الصوتية , وهذا ما يسميه دريدا المفهوم المبتذل للكتابة أو " vulagar concept of writing “ , ذلك أن الكتابة في التقليد الغربي تعتقد أن الرسالة " the letter” مدرج شعوري أو الجسم أو المادة المتخارجة من اللوجوس الصوتي . ودريدا يرفض هذا المفهوم المبتذل للكتابة , ويعتقد انه يمتلك النظرية المرشدة الأقرب للصحة لفهم اللغة برغم من إننا لا نعيها جيدا ونحن نمارس النقد الأدبي , فنحن نعتقد أن كل شيء يقودنا ويعطينا المعنى ونركز على الفكرة المحورية الوحيدة التي تحولنا مرة أخري للعودة إلى الأفكار الجزئية . من خلال هذه الفكرة المحورية التي قد تنقلب في فكرنا إلى وجود متعالى ثم يتم توظيف هذه الفكرة المتعالية للتحكم في أفكارنا عن اللغة والمعنى , نجد هذا بوضوح في نقد الشعر حيث تكون عملية اكتشاف المعنى من خلال فكرة أو مفهوم محوري , يعيدنا إلى النظر مرة أخري في الأفكار الجزئية , لنراها تحويرات لهذه الفكرة المركزية التي احتلت بداخلنا وجودنا متعالى , ليلتف المعنى حولها في نظام مركزي , ونختار دائما احتمالات المعنى التي تؤيد وتتطابق مع تلك الفكرة المركز ونجد هذا المركز اصبح على أيدي النقاد " كل" – الفكرة التي احتلت في عقولنا وجودا متعاليا - في حين أن مبدا الكل هو واحد من أهم المبادئ المبدعة للميتافيزيقا .
يحاول دريدا أن يكون الأدب والفعل النقدي واللغة , غير خاضع لتأثير هذا الكل الميتافيزيقى من خلال شكل جديد من المصطلحات النقدية ضمن نظريته التفكيكية بحيث تستطيع هدم المفاهيم القديمة للغة والموضة القديمة للنقد .
فعقولنا وفهمنا يكون بوعي أو غير وعى متآزر و جاهز مع تلك الطريقة القديمة أو ذلك الظرف في الفهم و البحث عن المعنى , وفي الحقيقة نحن نملك ترجمة واحدة من أفكار قديمة , لهذا يعتقد دريدا أن المصطلحات اللسانية لسوسير لم تكن ثورة في فهمنا للغة فهي ليس اكثر من إنتاج آخر من الميتافيزيقا لكن تكمن خطورته في ادعائه للعلمية والحيادية .
يعرض دريدا أذن الأصول الميتافيزيقية للغة والنقد , بغية هدمها , لأننا نحاول أن نكون حياديين في البحث اللغوي , لا نحمل اللغة ما لا تحتمله من معاني , فنحن نعترف بالواقعية والطبيعية للغة , لذا يجب فصلها عن بذورها الميتافيزيقية في حين نجد دى سوسير قد وقع ضحية الميتافيزيقا كما بين لنا دريدا.

بعد عرض الأصول الميتافيزيقية للغة قبل دريدا ( ويمثل هذا الجانب السلبي من التفكيكية أي دحض البنيوية أولا ) يبدع دريدا مصطلحات جديدة يتأسس عليها فهم جديد للغة ( الجانب الإيجابي للتفكيكية ) وسأقوم الآن بوصف و إعادة تقييم مصطلحات التفكيكية

يتخذ دريدا شكل المؤسس لثلاث كلمات معقدة هي : Difference الاختلاف, و Trace الأثر , و Arche-Writing الكتابة الحفرية , وكل مفهوم من الثلاثة ليس فقط مفهوما واحدا , و إنما مفاهيم كثيرة , كاحتمالات متنوعة داخل حدود المشروع التفكيكى برمته , و أتمنى أن أستطيع توضيح كيف تقودنا هذه المفاهيم إلى فعل التفكيك .
أولا الاختلاف Difference علينا أن نفرق بادئ ذي بدء بين فعلين أساسيين :
فعل Differing الخلاف و المباينة أو الاختلاف و Deferring فعل الإذعان أو الاتفاق (11) حيث أن الخلاف أو Differing يعنى أن وجود واحد غير وجود الآخر, أي علاقة انفصال , بينما تعنى Deferring أن هناك رابطة ما تجمع بين الاثنين وهى مؤقتة او مرجئه .
وكل إشارة أو علامة أو دالة تبعا لنظرية دريدا تؤدى هذه الوظيفة المزدوجة فضلا عن أن بناء الإشارة ذاته يكون موضوع بواسطة تلك الازدواجية بين الخلاف و الإذعان أو الاتفاق , ولا يكون بواسطة الدال والمدلول ( كما عند دى سوسير ) , في كلمة أخرى يمكننا القول أن بناء الإشارة يكون غير مكتمل إذ يحتوى بعض الأشياء الموافقة و الأشياء المخالفة في آن واحد , على سبيل المثال الفرق بين كلمتي tree و three كلا منهم لهم نفس النطق و نفس الكتابة تقريبا هذا هو الإذعان لكن الخلاف بينهم في الهوية , فالأولى شجرة والثانية عدد بمعنى ثلاثة .
هذا يعنى أن الإشارة تكون غير مكتملة , فمثلا كلمة rose توجد في الشعر لكي توصل معنى واحد مختلف عن المعنى الواقعي لها وهى الزهور التي نراها في الواقع , إلا أنها أذعنت واتفقت مع بعض الأشياء في المعنى الشعري لها , فكل إشارة تطرح ذلك السؤال ماذا تكون ليكشف عنها هنا؟ وهذا سؤال عن الإذعان أو الاتفاق والسؤال الآخر الذي تطرحه ماذا لا يوجد في النصف الآخر؟ ماذا لا يوجد هناك ؟ وهو سؤال عن الاختلاف .
أي أن كل إشارة فيها نصف معروف ونصف مجهول ومن الضروري لأ جل وجودها في فهمنا , أن يتراكب الجزئيين فكل نص غير مكتمل - الإشارة عند دى سوسير دال ومدلول , أما عند دريدا اختلاف واتفاق لأجل ذلك فان إشارة دى سوسير لا تكون وحدة أي لا يكمل الدال المدلول بينما إشارة دريدا تكون وحدة , لان العلاقة بين جزئيها تكاملا , و لأنها جزء غير مكتمل من المعنى واقعة تماما تحت رحمة الفهم , ممزقه بين شكلها و جزئها الثاني , هذه المصطلحات الدريدية ( sous rature) تدل على الجزء غير العامل من الإشارة , أي انه لا توجد إشارة مكتملة فهي إشارة مكتوبة ولا تعبر خارج نفسها حتى الآن نحن الذين نعبر بها إلى الخارج لإزالة عدم اكتمالها الداخلي .
ويشير دريدا أيضا إلى مفهوم العلامة ( Mark ) التي توجه عبورنا للخارج فعلى سبيل المثال visible,) ) و (visible ) الفرق بينهم في (, ) وهى تعنى تحديد لنا في البحث عن المعنى .
ولا توجد إشارة تدل على أي شيء أبدى أو تمتلك قيم ثابتة أو تحيلنا إلى أي شيء متعالى , كل هذه الإشارات لا وجود لها , فالإشارة تكون سياق , إبداع لأحد تجليات المدلول , وكل إشارة تستطيع أن تفعل وتكون رسالة لنا إذا نحن أخذناها كجزء وتسائلنا عن ماذا يكون جزئها الآخر؟ واعدنا تعقلها و السؤال حولها .
ومن هنا يكون المفهوم الآخر في التفكيكية بانتظارنا وهو تعقب الأثرTrace وهو تعقب اثر الإشارة عن طريق تجول تأملي في التراث الغير مرئي والغير محسوس ويمتلك دريدا وصفا رائعا للأثر ", الأثر لا يكون علامة أو إشارة طبيعية أو دليل في الشعور الهوسرلى من الثقافة بل الأثر ليس اكثر فيزيائية من الفيزياء وليس اكثر بيولوجية من الروح , الأثر هو البحث عن البداية الذي تطل لنا غير مدفوعة بشكل الإشارة , والأثر تضاد بين الفيزياء وأي احتمال آخر "
يعمل الأثر في اتجاهين في الاتجاه الأول ماذا يكون هناك في حركة الإشارة في العقل؟ وفى الاتجاه الثاني ما الذي لا يكون هناك ؟ والسؤال الثاني هو سؤال عن اثر ما ليس في الإشارة وهو أهم من اثر ما في الإشارة , لان ما أمسكت به الإشارة شكل عقولنا أما ما لم تمسك به الإشارة سيعيد تشكيل عقولنا . و الأثر يكون للقوتين الاختلاف والاتفاق . و الآن نتحدث عن مميزات مفهومي الاختلاف والأثر في الكتابة أو المكتوب وما يحدثاه من تغييرات فيها
لا تستطيع الكتابة أن تكون اكثر من رسالة أو مدرج شعوري أو جسم ومادة متخارجة من اللوجوس , لهذا يمكن اعتبار الكتابة لا شيء , أو أنها محض تعارضات , إلا أن دريدا يحاول تعريف الكتابة " الكتابة مدرج عمومي حتى لو كتبت أدبا أو كانت كتوزيع في المكان على شكل تخطيط محكوم بأوامر الصوت " ( 12 ) من هنا يمكن اعتبار الرسم السينمائي , و الجروماتوجرافى , والموسيقى والنحت و الزخرفة هي من حيث الشعور العام كتابة وكما يلاحظ دريدا " ربما أيضا يتسع مفهوم الكتابة بكل قواه إلى الكتابة العسكرية والسياسية أو المرتبطة بالتطبيقات العامة , فعندما تكتب الحكومة السياسة لم تعد اليوم قادرة على السيطرة على المعنى في تلك الكتابات, ليس فقط على مستوى التصور العرضي المرتبط بهذه الأنشطة ولكن على مستوى الجوهر والمحتوى لهذه الأنشطة ".
اللغة تشعر بذاتها من خلال الكتابة . يقول جوتراى Gayatri Spivak : " لا شيء يستطيع أن يحمل الأثر الدائم المتصل للغة إلا البناء ؛ بناء الإشارة أو حتى بناء النفس " ودريدا يسمى هذا البناء الكتابة (13) ولتوضيح مفهوم الكتابة يقول Gayatri Spivak : " الكتابة اسم البناء المعتاد الجاهز بواسطة الأثر , وهذا مجرد سطح المفهوم أو المفهوم الامبريقى للكتابة , الذي يكون داخل تصور النظام الامبريقى كجوهر أو مادة ". ينتقل بنا دريدا من المفهوم المبتذل الضيق التقليدي عن الكتابة إلى أفاق ما يدعيه Arche- Writing أو الكتابة الحفرية التي تتضمن كل وظائف التعبير مرسوم كان أم غير مرسوم , باعتبار أن الكتابة في الإحساس الضيق القديم مجرد رسم أو تعبير نقى عن المكتوب في حين ترى تفكيكية دريدا أن الإطار الخارجي للرسم يمكن أن يحمل معنى الاختلاف فيكون " المكان المعهود للأثر " هو البداية التي تؤسس لتعقب الأثر , ومن هنا كانت مركزية المرسوم في التفكيكية , ربما يرى البعض أن هذه المركزية تمثل إزاحة قليلة نحو الاهتمام بالكتابة , لكن في إطار الفهم الجدلي للمصطلح تكون مركزية المرسوم في السياق الدريدى , هي محافظة العقل على وظيفة تعقب الأثر في كل أنواع التعبير مجموعة من الاستحقاقات للكتابة من اجل إمساك حركة الأثر , فليس تلك الشريحة المتحركة مجرد دعوة واستضافة لعمل كان منطوق واصبح مكتوب , ولكنها أصبحت اثر يمكن أن يكون مفيد في كل وظائف تعقب الأثر .
فعندما اكتب شيئا على تلك الشريحة أو الورقة فإنني قد أعطيت لكلماتي استحقاقا جديدا وبدأت عملية محاولة فهم المغزى , ليبدأ العقل في حركته , يبدأ العقل في البحث عن بعض الأشياء الأخرى الغير مدونه في اتجاه التأثير المأخوذ من عملية الكتابة , وهنا تكون وظيفة الاختلاف , فالعلامة المدونه تكون دعوة لتعقب الأثر, " فالأثر بواسطة ذاته لا يستطيع أن يعرف وجوده " بل يعرف وجوده بواسطة أن يدون كشيء خارجي يتم إسقاط حركة العقل عليه فيبدأ الأثر في وظيفته من خلال الاختلاف والإذعان Difference+ deferrence = difference هذه مركزية الرسم

يعرض دريدا المفهوم التقليدي للغة كأسطورة مثل قرب الصوت للمدلول وهو أوضح عنصر ميتافيزيقى يتحكم في مفاهيمنا عن اللغة , لذا بداء دريدا يصوغ مصطلحات جديدة وشكل جديد للمفاهيم لكي يغير من فهمنا للغة ويحررنا من أي تأثير ميتافيزيقى او أسطوري , أن التفكيكية إزالة للأسطورة أو للأخطاء (14) فإزالة الأسطورة هي نفسها إزالة الأخطاء في الفهم التقليدي للغة.






لقد تناولت في هذه الدراسة الإطار الخارجي للتفكيكية عبر ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى : اختبار التفكيكية لمفهومي النطق والكتابة , ولماذا كان يتم تفضيل النطق على الكتابة , وكيف أن هذا التفضيل حدث بفعل مؤثرات ميتافيزيقية , وكانت هذه هي النقطة المركزية للدراسة إزالة الميتافيزيقا الأسطورية المخطئة .
في المرحلة الثانية: بدأت اختبر تلك الفرضية أن اللسانيات الحديثة تصنع دراسة علمية للغة , ووجدنا أن مفهوم اللسانيات للإشارة طبعة أخرى من المفهوم التقليدي عن النطق والكتابة , وان اللسانيات الحديثة وقعت ضحية للميتافيزيقا ثم كانت المرحلة الثالثة : التي كانت وصف و إعادة تقييم لمصطلحات دريدا الثلاثة
Difference\ Trace\ Arch-Writing و أوضحت أن المغزى العميق من هذه المفاهيم هي النزعة التي تمركز المرسوم أو المطبوع , وبعد أن تحدثنا في هذا الجزء عن مشروع دريدا , آن لنا أن نقول أن فهم اللغة تغير فيا ترى ما سيكون مصير النقد ؟
إذا كان الأدب نوعا من الكتابة سواء كان شعرا أو قصة أو أي مقطوعة أدبية فهو أذن بناء للأثر , والأثر هنا يكون خيال من العلامات , نحن لا نعرف أي شيء عن هذه العلامات . لكننا متأكدين من أن هذه العلامات تؤسس البحث داخل الكلمة او الخط او النص او أي شيء ، حركة العقل من النقطة المترسبة, العلامة الحفرية, الأثر إلى مملكة البحث في أجواء من التأويل تبدأ بالاشتباه الذي يتأسس على التحقق من الاطروحات النقدية لتوضيح ( كلمة – خط – قصة – خطوات – شريحة ...الخ ) , فإذا كنا لا نملك التحقق منه فكيف نوضحه , هنا يكون البحث النقدي قصة تروى محاولاتنا في البحث , نقدم محتوى فكرى ونطرح أفكار ربما لا أساس لها من الصحة , ولكننا نريد الذهاب إلى ما وراء الكشف , لان هناك سرا نحن نشعر أن بعض الأشياء فقدت أو غابت فلماذا نحافظ على هذا الشعور الأبدي فالأشياء غائبة أو مفقودة .
إذا كان الأدب حفريات يطلب منا تعقب آثارها , الأثر طبع الأقدام على الرمل , بعض الناس مشوا وغادروا وهذه طبع أقدامهم , علينا أدراك انهم مفقودون غائبون خارج خبرتنا لن نجد غير صمت عميق خيال من العلامات , ياله من موقف عميق ! أتى بعد إعادة تعقلنا للعلامات ( ربما تكون الشخصانية ساذجة لكنها تساعدنا في الفهم)
النقد القديم يتعلق بحواف الأفكار فيكون نقد الشعر قاصرا على اكتشاف المعنى كفكرة أو مفهوم , نستطيع العودة إليه بفكرة أخرى , وهكذا حتى نصل لحافة الأفكار عند إذ تحتل أحد الأفكار وجودا متعالى , حقيقة متعالية نحن غالبا لا نكون واقعيين نحن نوضح المعنى باستخدام الميتافيزيقا , فيكون النقد بعد ذلك محاولة تدعيم هذه الفكرة المحورية من الإطار , حقا شيئا ممتع أن البنائية التي تقول بأنها عملية ثورية لم تكن متحررة من السقوط في الميتافيزيقا , فالبنائية تطبيق لنظام المعنى المركزي , المركز الذي نستطيع اكتشافه كوجود , كأصل كقوة متعالية .
مفهوم النظام يطبق ذلك المبدأ , كل شيء يفهم جيدا , أو على الأقل يفهم , أين مثل هذا النظام ؟ لتأتى التفكيكية تدعى أن كل ذلك وهم , كل التوضيحات , الحقائق , الأصول , الوجود أشياء مصنوعة بواسطتنا هذه الكلمات مصنوعة, أن أبحاثنا تسير في الطريق للوصول للنقطة الأخيرة , التي هي كانت فرضية أولية مع بعض الإيهام بأننا امتلكنا أسباب واضحة للوصول إلى تلك النتائج, وهذه النقطة النهائية تحاول اغتصاب المستقبل وتدعى معرفتها به , أن النقطة الأخيرة في البحث أو النتيجة أو المفهوم السري لأمر بعيدا جدا في النقد التقليدي والبنيوي الذي يرشد كل أنشطتنا النقدية وفهمنا للغة , وهو ينتقل كعدوى في التطبيقات المختلفة.

تشمل تطبيقات التفكيكية كل الكتب المقدسة أيضا فيما اعتقد
فماذا عن مفهوم الله ؟ وماذا عن باقي المفاهيم المتعالية؟ وما مصيرها ؟ دريدا لا ينكر وجود الله , لكنه يسأل عن مفهوم الله وتطوره , ربما نحن تعودنا أن نستخدم هذا المفهوم كنظام دفاعي عن الأصل والحقيقة ومصطلحات أخرى لكن علينا أن ندرك أن هذه المفاهيم الأخرى مجرد مفاهيم في أبحاثنا , أما الله فهو وراء الفهم الإنساني , يبدوا كشيء أجنبي عن الإنسان , نستطيع تخيله أو الشعور بالإغماء خشوعا له , لكننا لا نستطيع معرفته , فهو في غياب متعالى , الشعور بذلك الغياب حاضرا في التفكيكية فكل شيء اثر , علامات غائبة . أن دريدا لا يزيل عرش الدين بقدر ما يحميه ويحافظ عليه من الميتافيزيقا فهو يستبعد أبحاث تقترح وجود الله كضامض للحقيقة عند كل مفهوم أنساني . عند هذه النقطة أنا أريد توضيح أن دريدا لا يقترح أي شيء ممل غير منتظم النسق , هو باحث حر في مجال المعرفة , يحاول تحرير العقل من بعض ما رسب فيه باسم الله والدين, بواسطةعرضه للعقل الحر الباحث عن الحقيقة ن لتفكيكية دريدا مضمون روحي .

و أخيرا أود العودة للسؤال عن النقد من خلال ما يقدمه لنا الشعور التقليدي من نماذج لفهم الأعمال الأدبية ؛ هذه النماذج ربما تكون فلسفية أو أخلاقية أو دينية أو لسانيه , ربما لا نكون على وعيا جيدا بالحقيقة بعد تطبيق هذه النماذج فكل ما ندعيه غالبا على انه مدخل ذاتي , لا يكون ذاتيا نحن نجتر ما في الأعمال الأدبية لأجل بعض الأشياء في عملية الفهم المتحكم في الممارسة , بعض الأشياء تستطيع أن تخبرك أن الأعمال الأدبية منغمسة في الكلمات والحركات و الظواهر, لاحتمالات توليد المعاني ,على سبيل المثال , لو حاولت التطبيق على كتاب “ The Lake Isle of Innisfree,” ل Yeatsأنا أستطيع اجترار المحتوى الشعري كبيانات متاحة عن الحياة الشعرية , الشاعر يعكس التأكيد على الطبيعة وجمال أشياءها , في مرة لحبوب المادة ومرة أخرى للحب الحالم للحياة , وكل ذلك من البيانات المتاحة ... ثم أبدا في ترتيب هذه الأفكار بناءا على فكرة خارجية ماخوذه من نظام الشعر كله , فضلا عن إنني اضخم معنى الشعر عندما أبدا في عملية الإعادة النقدية للشعر . ربما أريد إضافة هذه الأسئلة للبحث ما الأسباب التي دفعت الشاعر لحب الحياة الحالمة ؟ ولماذا اختار تشبيه الحبوب المادية ؟ في هذا النوع من النقد نحن لا نركز على النظام لأجل ذاته ,ولكن نركز على النظام من اجل تدعيم نظام الدراسة ذاته ومدى اتباعه لتحقيق البنائية . على سبيل المثال ماذا يكون في التصور الأدبي عن مغادرة الجزيرة الأصلية والذهاب لجزيرة أخرى ؟ يكون هناك تصورات متشابهة
نجد عند شكسبير في " كما تهوى " و" حلم ليلة صيف" شخصيات تغادر المدينة لتذهب للصيد في الغابة ,الشخصيات في الغابة تعود للحكمة الشريرة ,وهذا تحول في الشخصيات يتشابه مع ما يحدث في " سفريات جليفر" بل انه مثال متطابق مع النموذج البنيوي اعتقد أن الشاعر يضخم كل هذه الأفكار .

الهوامش
1 - M.H.Abrams, ”The Deconstructive Angel,” Critical Inquiry,3 (1977),428.

2 – Newton Garver , Preface , Speech and Phenomena ( Evaston : Northwestera Univ. Press , 1973 ) , p.xxii.
في تعليق عن مكانة المنطق والشكل الموسيقى للفظ في فلسفة اللغة يقول جارفر :" في تاريخ الفلسفة الغربية , فلسفة اللغة تم احتضانها من قبل الميتافيزيقا فلم تتعد بذلك فلسفة اللغة ما بين الأساس المنطقي أو أساس الشكل الموسيقى للفظ " ( Preface,p.xi )
و في تعليق آخر على الحركتان الذي قاما في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يقول :" الحركة الأولى في فلسفة اللغة كانت متعادلة في تقدير قوة الأساس المنطقي للغة ,ولكن أعقبها حركة من داخلها تميل إلى إعلاء الأساس السجعى أو الموسيقى لدراسة لغة التراث وهذه الحركة تحدث عنها دريدا كإغلاق للميتافيزيقا .

3- J. Hillis Miller, “ The Critic as Host ,” Critical Inquiry ,3 (1977),41.

4- Murray Krieger, Theory of Criticism ( Baltimore and London :Johns Hopkias Univ. Press,1972),pp.220-43.

5 – Fredric Jamesonn , The Prison-House of Language ( Princeton,N.J.: Princeton Univ. Press,1972),p.176.

6 - Jacques Derrida , of grammatology , trans . Gayatri Chabravorthy Spivak ( Baltimore and London : Johns Hopkins Univ. Press, 1972) ,p.43
يقول دريدا " النظام اللغوى يتكون بواسطة الهجائية الصوتيه المكتوبة التى تكون معتمدة على مركزية العقل او مركزية اللوجوس كعنصر ميتافيزيقى ,و تحدد بأنها شعور بالوجود كحضور منتج ,هذه المركزية للوجوس تقدم النطق وكانه فى مكانة الطرح الابوى ,حيث يكون اى تعليق و تخارج عن اسباب جوهرية غير النطق لاى تامل حر مرفوض "

7 – يعلق دريدا على الخلفية الميتافيزيقية لمفهوم الدال والمدلول " ,الاختلاف بين الدال و المدلول يستخدم فى تطبيقات لتحقيق الكلية الذى تكون مدخل كبير لتاريخ الميتافيزيقا وفى تطبيق اخر يبدو كاداة منظمة للابداع المسيحى حيث اللاتناهى حيث ترفض المداخل العقلية للمفاهيم اليونانية عن اللغة "

8 – مركزية اللوجوس تعرف فى الميتافيزيقا بانها تعبير عن الرغبه فى المدلول وايجاد المعنى فى اللوجوس ,وهذه الكلمة استخدمت ايضا كانعكاس للعقل الالهى

9 – مركزية الصوت تطعيم للكتابه كتقنيه اقل فى التعبير الدقيق عن المدلول لا تصل الى ما تصل اليه الكلمة المنطوقه فى الدقه لذا فهى تعتبر ان الدال ينبغى ان يكون صوتى

10 – من كتاب ابرام حيث يقول : " حركة النموذج التقليدى الكلاسيكى المغلق لمركزية اللوجوس ( التى تحافظ على اساس الفهم الافلوطينى للموجود المتعالى المسيحى والحضور الالهى كاصل للمعنى ) الى النموذج مركزية الرسم الذى كان حضوره بطيئا كعلامات او روابط "

11 – مفتاح حجة الاختلاف يكون كما يقول ميورى كريجر اللعب على الفعل الفرنسى differer – الذى يعطى كلا المعنين to differ and to defer بناء على هذا التميز يكون هناك تناقض بين معنيين واحدين للكلمة هناك فجوة تفصل المعنيين

12 – فى الكتابه والاثر يقول دريدا: الكتابه واحد من تمثلات الاثر عموما لكن لا تكون الاثر ذاته,الفكرة فى الاثر انه لا يستطيع ان يكون بسيط مشتق من سؤال الفينومينولوجيا الوجودية عن الجوهر , الاثر لا شيئ غير موجود,لا كيان له خرج السؤال ماذا يكون اذن ؟
و اتابع صنع الاحتمالات




13- Garver, Newton. Preface , Speech and Phenomena and Other Essays on Theory of Husserl’s Signs. Jacques Derrida. . Trans. David B. Allison. Evaston : Northwestera Univ. Press , 1973

14 – ميورى كريجر Murray Krieger يقول : " اللغة بدأت كعدوى انتقلت لتكون توجيه مرجعى للظرف الانسانى اضطر لتشبيك الكلمات فى موجات واعادة هذه الموجات خلال القرون لتطوير الاساطير والمفاهيم وما وراء الاشكال لتمثلية فى المختصر النظام الكامل للعوارض الميتافيزيقية

15 - Allison , David . introduction. Speech and Phenomena and Other Essays on Husserl’s Theory of Signs. Jacques Derrida. Trans. David B. Allison. Evanston : Northwestern Univ. Press, 1973 .



Bibliography

Abrams,M.H . " The Limits of Pluralism II : The Deconstructive Angle. “Critical Inquiry,3 (1977),452-38.
Allison , David . introduction. Speech and Phenomena and Other Essays on Husserl’s Theory of Signs. Jacques Derrida. Trans. David B. Allison. Evanston : Northwestern Univ. Press, 1973 .
Bloom , Harold . A map of Misreading . New York : Oxford Univ. Press, 1975
Bloom , et al . Deconstruction and Critism. New York : Seabury Press , 1979 .
De Man , Paul . Allegories of Reading : Figural Language in Rousseau , Nietzsche, Rilke , and Proust. New Haven and London : Yale Univ. Press, 1979.
De Man. Blindness and Insight: Essays in Rhetoric and Contemporary Criticism. New York : Oxford Univ . Press, 1971.
Derrida, Jacques. “ Difference. “ In Speech and Phenomena and Other Essays on Husserl’s Theory of Signs. Trans. David B. Allison . Evanston : Northwestern Univ. Press, 1971.
Derrida . Of Grammatology . Trans . Gayatri Chakravorthy Spivak. Baltimore and London : Johns Hopkins Univ. Press, 1974.
Derrida . Writing and Difference . Trans . Alan Bass. Chicago: Univ . of Chicago Press, 1978 .
Garver, Newton. Preface , Speech and Phenomena and Other Essays on Theory of Husserl’s Signs. Jacques Derrida. . Trans. David B. Allison. Evaston : Northwestera Univ. Press , 1973
Heideggar,Martin. Being and Time. Trans. John Macqurrie and Edward Robinson. . New York : Harper and Row, 1962
Heideggar,Martin Existence and Being. Chicago : Henry Regnery Co, 1968.
Heideggar,Martin . An Introduction to Metaphysics. Trans. Ralph Manheim. New York : Doubleday,1961.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق